القرطبي
259
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ولا تفرح بما هو آت ؟ قال : لان الفائت لا يتلافى بالعبرة ، والآتي لا يستدام بالحبرة . وقال الفضيل بن عياض في هذا المعنى : الدنيا مبيد ومفيد ، فما أباد فلا رجعة له ، وما أفاد آذن بالرحيل . وقيل : المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار ، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاحتقار ، وكلاهما شرك خفي . والفخور بمنزلة المصراة تشد أخلافها ليجتمع فيها اللبن ، فيتوهم المشتري أن ذلك معتاد وليس كذلك ، فكذلك الذي يرى من نفسه حالا وزينة وهو مع ذلك مدع فهو الفخور . قوله تعالى : ( الذين ينجلون ) أي لا يحب المختالين ( الذين يبخلون ) ف ( الذين ) في موضع خفض نعتا للمختال . وقيل : رفع بابتداء أي الذين يبخلون فالله غني عنهم . قيل : أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي في كتبهم ، لئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم ( 1 ) ، قاله السدي والكلبي . وقال سعيد بن جبير : ( الذين يبخلون ) يعني بالعلم ( ويأمرون الناس بالبخل ) أي بألا يعلموا الناس شيئا . زيد بن أسلم : إنه البخل بأداء حق الله عز وجل . وقيل : إنه البخل بالصدقة والحقوق ، قاله عامر بن عبد الله الأشعري . وقال طاوس : إنه البخل بما في يديه . وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى . وفرق أصحاب الخواطر بين البخل والسخاء بفرقين : أحدهما أن البخيل الذي يلتذ بالامساك . والسخي الذي يلتذ بالاعطاء . الثاني - أن البخيل الذي يعطي عند السؤال ، والسخي الذي يعطي بغير سؤال . ( ومن يتول ) أي عن الايمان ( فان الله ) غني عنه . ويجوز أن يكون لما حث على الصدقة أعلمهم أن الذين يبخلون بها ويأمرون الناس بالبخل بها فإن الله غني عنهم . وقرأة العامة ( بالبخل ) بضم الباء وسكون الخاء . وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيى ابن يعمر ومجاهد وحميد وابن محيصن وحمزة والكسائي ( بالبخل ) بفتحتين وهي لغة الأنصار . وقرأ أبو العالية وابن السميقع ( بالبخل ) بفتح الباء واسكان الخاء . وعن نصر بن عاصم ( البخل ) بضمتين وكلها لغات مشهورة . وقد تقدم الفرق بين البخل والشح في آخر ( آل عمران ( 2 ) ) .
--> ( 1 ) يريد ما يأكلونه من الناس باسم الدين من الأموال . ( 2 ) راجع ج 4 ص 293